باسم النبريص: حواريّتان

11/03/2014 22:13

ثلث أخير

ـ متى يأتون؟
ـ عندما يزهر الملح.
ـ حسناً، هو سيزهر عمّا قريب، فهل سيأتون؟
ـ لست واثقاً.
ـ لمَ إذن تعذّبني؟
ـ أنا أعذبك؟ 
ـ أجل، ألم تقل عندما يزهر الملح؟
ـ قلت.
ـ ألم تقل، حين أخبرتك عن قرب إزهاره، إنك لست واثقاً من مجيئهم؟
ـ في الحقيقة لست واثقاً.
ـ أنت ربطت الإزهار بمجيئهم، فكيف تناقض نفسك؟
ـ أنا؟
ـ لا، ظلّك على الحصى!
ـ اعذرني، لست كما يجب.
ـ ومتى كنتَ كما يجب؟
ـ أنا؟
ـ بل هو شبحك، ولست أنت.
ـ شبحي؟ عما تتكلم يا ذا المنطق.
ـ عنك!
ـ وهل تؤمن بالأشباح؟
ـ هي طريقة في السخرية فحسب.
ـ إذن فأنت تسخر مني؟
ـ العفو، العفو .. لنمضِ في طريقنا.
ـ هل ترى رؤوس الجبال هناك؟
ـ رؤوس؟
ـ تبدو زرقاء.
ـ زرقاء، هناك؟
ـ إي، زرقاء بتأثير الأضواء.
ـ ألا يلفتك أنها ما تزال نائية؟
ـ من؟
ـ الجبال.
ـ لا، قطعنا ثلثي الطريق، والباقي ثلث.
ـ هل لديك عزيمة لتواصل؟
ـ أتقوّى على ضعفي، لا مفرّ ..
ـ إسمع، أنا تعبت.
ـ تعبت؟
ـ والجوع يشلّني.
ـ أنا فقط ظمآن.
ـ ......
ـ أما من ينابيع في هذه النواحي؟
ـ لا أظن.
ـ كيف عرفت؟
ـ من المسافة التي قطعناها. لم نصدف ولا ..
ـ صحيح. لكن علّنا نظفر بواحد، في المسافة المتبقية.
ـ لا أحتمل خيبة جديدة.
ـ يا رجل، دعنا نأمل.
ـ كلا. الخيبة آخر شيء ينقصنا.
ـ معك حق، لكنني جائع، والآن عطشان.
ـ لدي فكرة.
ـ أفصح.
ـ لنُنزل أثقالنا ولنبحث عن عشب طري نأكله.
ـ الأعشاب هنا إِبريّة.
ـ على الأقل نمتصّ رطوبتها.
ـ هل نسيت أننا في أول الظهيرة!
ـ ساعات ويهبط المساء.
ـ حسناً، لنواصل إذن، حتى يهبط.
ـ لنواصل.
ـ وهل سيكون بمقدورنا وقتها امتصاص العشب؟
ـ تقصد الإِبر؟
ـ العشب.
ـ أظن ذلك.
ـ تظن؟
ـ لست واثقاً.
ـ مرة أخرى؟
ـ سنحاول ونرى.
ـ أنا جائع.
ـ وأنا عطشان.
ـ لا، أنا عطشان أكثر منك.
ـ كيف؟
ـ أحسّ بالمذاق الملحيّ لدمي وهو يجري داخل جسمي.
ـ ماذا تقول؟
ـ وبالمذاق الملحي لعَرقي ودموعي. 
ـ ولمن أيضاً؟
ـ ولِغائطي القادم!
ـ انظر، هل اقترب الهدف؟
ـ بضع خطوات.
ـ والجبال هناك، أما تزال زرقاء؟
ـ  .. ونائية.
ـ ألم تقل اقتربنا؟
ـ لست واثقاً.
ـ اللعنة! اليوم هو يوم "لست واثقاً".
ـ اعذرني، لست كما يجب.
ـ ومتى كنتَ كما يجب؟
ـ أنا؟
ـ بل هو شبحك، ولست أنت.
ـ شبحي؟ عما تتكلم يا ذا المنطق.
ـ عنك!
ـ وهل تؤمن بالأشباح؟
ـ هي طريقة ..
ـ لنواصل إذن، حتى يهبط المساء.
ـ نواصل.


وليمة
ـ لماذا يدفنونه؟
ـ لأنه مات.
ـ هو مات!
ـ بالطبع، وإلا لمَا حفروا قبره.
ـ وهل كل من حُفرَ قبرُهُ سيدفن فيه؟
ـ هكذا جرت العادة.
ـ عادة؟ .. غريب. 
ـ إنهم يضعون اللمسات الأخيرة ..
ـ الأخيرة؟
ـ أقصد قبل أن يحضر هو ..
ـ هو من؟
ـ الميت.
ـ الميت! وكيف عرفوا أنه هو؟
ـ هذا ليس صعباً..
ـ ماذا تقصد؟
ـ أقصد ليس صعباً أن يتعرّفوا على ميت.
ـ كيف عرفت؟
ـ بالتجربة، بالعيان ..
ـ أيّ عِيان؟
ـ أنا مات كثرٌ من أقاربي ومعارفي فعرفت.
ـ عرفت فوراً أنهم ماتوا؟
ـ أجل.
ـ كيف؟
ـ سهل جداً. ما إن يموت الواحد حتى يصير جثة.
ـ ماذا تعني بجثة؟
ـ جثة لا حراك فيها.
ـ لا. هذا يحتاج لتقرير طبيب.
ـ طبعاً، لكن حتى أمثالنا غير المختصّين يعرفون.
ـ يعرفون؟ أنا لم أعرف ولا أعرف ..
ـ ألم تمرّ بمواقف حزينة كهذه؟
ـ كلا، لم يسبق أن رأيت الموت إلا في التلفزيون.
ـ سعيد ومحظوظ.
ـ أنا؟
ـ بالطبع، فالموت تجربة قاسية.
ـ قاسية؟
ـ قاسية ..
ـ على الميت؟
ـ لا، على القريبين منه.
ـ وماذا عنه هو؟
ـ لا أحد يعرف.
ـ كيف؟
ـ هو مات. أي لم يعد قادراً على الكلام لنعرف.
ـ وهل الموت هو مفارقة الكلام للأبد؟
ـ لست متأكداً من هذه الجزئية.
ـ لست متأكداً؟
ـ لست خبيراً في الموت.
ـ أظن أنك مخطىء. جميع الموتى لا يتكلمون.
ـ كيف تبيّنت ذلك؟
ـ على التلفزيون. ما من ميت رأيته يتكلم هناك.
ـ أين هناك؟
ـ على الشاشة.
ـ هه ..
ـ أتدري؟ لاحظت دوماً أن المحيطين به يتهامسون، فيما هو صامت.
ـ المسكين ..
ـ ولهذا عرفت أن الموتى بُكم.
ـ ها قد جاء الموكب!
ـ جاء؟
ـ هل ترى التابوت البُنيّ؟
ـ آ .. هناك في المدخل الأيسر..
ـ مدخل؟ اليوم يوم المخارج لا .. 
ـ أقصد مدخل المقبرة.
ـ ولمَ يأتون معهم بكل هذه الزهور؟
ـ علامة وفاء للميت.
ـ وهل يَعقِل الميتُ الآن؟
ـ كلا، ولكن العادة الحضارية تحتّم ذلك.
ـ هه ..
ـ إنهم يُنزلون التابوت تحضيراً ..
ـ تحضيراً؟ بل قل تغييباً ..
ـ يا رجل أَنصت!
ـ أُنصت؟
ـ ليس هذا وقته.
ـ ومتى يكون وقته؟
ـ عندما يتم الدفن وتفرغ المقبرة.
ـ هاه .. لقد أنزلوا التابوت!
ـ نعم .. أتوقّع ذلك.
ـ المسكين!
ـ انتهت حياته بلحظة.
ـ كل الأحياء ينتهون بلحظة.. ما الغرابة؟
ـ أسكت أنت يا من تجهل الموت.
ـ بل أعرفه.
ـ نظرياً فحسب. لم تلمسه.
ـ وهل لا مناص من لمسِهِ لنعرفه؟
ـ بالطبع.
ـ حسناً، ربما في المستقبل يُتاح اللمس.
ـ ربما.
ـ والآن، ماذا علينا أن نفعل؟
ـ أنا وأنت؟
ـ وهل ثمة غيرنا وراء هذا الجدار؟
ـ لا أَخال.
ـ تخال؟
ـ لا، لا يوجد غيرنا مجانين في العالم.
ـ مجانين؟
ـ لأننا نتلصّص بمنظار من بُعد مئات الأمتار.
ـ إنها لعبة تروق لنا، أليس كذلك؟
ـ أجل. كأننا نراقب مستحمّة ..
ـ وبعد أن يُدفن هذا المجهول، ماذا سيحدث له؟
ـ سيتحلّل جسده، ثم تنطوي ذكراه.
ـ هل أنت متأكد؟
ـ هكذا يحدث مع جميع الموتى.
ـ جميعهم؟
ـ معظمهم.
ـ والذين لا يُنسون مَن يكونون؟
ـ أولئك أبطال أو أشرار كبار.
ـ وماذا عن الودعاء الطيبين؟
ـ سرعان ما يُنسَون.
ـ لمَ؟
ـ لأنهم تحديداً بهذه النعوت.
ـ هه ..
ـ التاريخ يحفظ أسماء المتطرفين باختلاف ..
ـ فهمت، فهمت لا تشرح.
ـ والآن فرغت المقبرة، هل نذهب للقبر؟
ـ وما الحاجة؟
ـ لنرى القبر.
ـ وما الحاجة؟
ـ لنلمس الموت عن قُرب.
ـ لا، الموت يُلمَس بلمْس الجثة لا القبر.
ـ أنا غُفل في هذه الأمور.
ـ وغيرها.
ـ ماذا قلت؟ 
ـ يعني ..
ـ لا تُلغز، أَبِنْ.
ـ دعك من هذا، لنذهب للمطعم القريب.
ـ مطعم؟
ـ إني أشعر بالجوع.
ـ هيّا.
ـ وهل نترك الميت لوحده؟
ـ وماذا نفعل له؟
ـ نفعل له؟
ـ كل الموتى يموتون ويُتركون لمصيرهم.
ـ اللعنة على هذا الصباح.
ـ لمَ تلعن؟
ـ لأني نسيت أن أصلّي على روح أمي، قبل المجىء.
ـ تصلي؟ يا لك من ساذج.
ـ أفهم، لكن الصلاة تريحني شخصياً، بغض النظر عن منفعتها لأمي.
ـ الموتى يتوقفون تماماً عن استقبال النفع.
ـ لنذهب، لا داعي لمزيد من السفسطة ..
ـ إلى أين؟
ـ المطعم.
ـ كلا، سأذهب أنا إلى صديقتي، اشتقت إليها.
ـ غيّرت رأيك؟
ـ أجل.
ـ ألم تبِت عندها الليلة الماضية؟
ـ ولهذا اشتقت إليها.
ـ لا أفهم، المرء عادةً يشتاق للبعيد.
ـ بل للقريب، خاصة إذا رافقَ أحمق مثلك، وراقبَ جنازة.
ـ لا بأس. وماذا ستفعل مع صديقتك؟
ـ كما يفعل الرجال مع النساء.
ـ ماذا قلت؟
ـ سأضاجعها ضجعة الظهيرة.
ـ ضجعة؟
ـ انتقاماً لما رأينا في هذا النهار المنكود.
ـ المنكود؟ ألم نتعلم فيه أشياء ضرورية؟
ـ أنت ربما. أنا لا.
ـ بلى،  كلانا تعلّم. أنا و ..
ـ لا، أنا لا.
ـ بل نعم.
ـ كيف؟
ـ ستذهب لتداري خوفك بصلاة أيروتيك للثمينة الحياة.
ـ هه .. صرت شاعراً ..
ـ كلا، ولكنني أرى ما أقول.
ـ تقصد: تقول ما ترى.
ـ هممم ..
ـ إذن وداعاً صديقي.
ـ وداعاً أيها الهارب من قبر إلى وليمة.
ـ هكذا يفعل الأحياء.
ـ ليس كلهم.
ـ صحيح، ويبهجني أن أكون من "ليس كلهم" هذه.
ـ وداعاً.
ـ وداعاً.